الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
198
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إذ صدر الإخبار عن أولئك بجملة كَذَّبَتْ [ القمر : 18 ] ، وخولف في الإخبار عن فرعون فصدر بجملة وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ وإن كان مال هذه الأخبار الخمسة متماثلا . والآل : القرابة ، ويطلق مجازا على من له شدة اتصال بالشخص كما في قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] . وكان الملوك الأقدمون ينوطون وزارتهم ومشاورتهم بقرابتهم لأنهم يأمنون كيدهم . والنذر : جمع نذير : اسم مصدر بمعنى الإنذار . ووجه جمعه أن موسى كرر إنذارهم . والقول في تأكيد الخبر بالقسم كالقول في نظائره المتقدمة . وإسناد التكذيب إليهم بناء على ظاهر حالهم وإلا فقد آمن منهم رجل واحد كما في سورة غافر . وجملة كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها بدل اشتمال من جملة جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ لأن مجيء النذر إليهم ملابس للآيات ، وظهور الآيات مقارن لتكذيبهم بها فمجيء النذر مشتمل على التكذيب لأنه مقارن مقارنه . وقوله : بِآياتِنا إشارة إلى آيات موسى المذكورة في قوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ [ الأعراف : 133 ] وهي تسع آيات منها الخمس المذكورة في آية الأعراف والأربع الأخر هي : انقلاب العصا حية ، وظهور يده بيضاء ، وسنو القحط ، وانفلاق البحر بمرأى من فرعون وآله ، ولم ينجع ذلك في تصميمهم على اللحاق ببني إسرائيل . وتأكيد بِآياتِنا ب كُلِّها إشارة إلى كثرتها وأنهم لم يؤمنوا بشيء منها ، وتكذيبهم بآية انفلاق البحر تكذيب فعلي لأن موسى لم يتحدّهم بتلك الآية وقوم فرعون لما رأوا تلك الآية عدّوها سحرا وتوهموا البحر أرضا فلم يهتدوا بتلك الآية . والأخذ : مستعار للانتقام ، وقد تقدم عند قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ في سورة النحل [ 46 ، 47 ] . وهذا الأخذ : هو إغراق فرعون ورجال دولته وجنده الذين خرجوا لنصرته كما تقدم في الأعراف . وانتصب أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ على المفعولية المطلقة مبينا لنوع الأخذ بأفظع ما هو